ندوة ثقافية افتراضية بعنوان: “الحوار الإسلامي المسيحي: الرؤية، التجارب والتحدّيات”

نظّمت اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز بالتعاون مع الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي لقاءً افتراضيّاً ثقافيّاً بعنوان: “الحوار الإسلامي المسيحي: الرؤية، التجارب والتحدّيات” ضمَّ نخبةً من الوجوه الحواريةِ المعروفة: القاضي الأستاذ عبّاس الحلبي رئيس الفريق العربي، المونسينيور خالد عَكَشة رئيس مكتب الحوار مع المسلمين في المجلس البابوي في الفاتيكان، السيِّد جواد الخوئي رئيس معهد الإمام الخوئي في العراق، والدكتور محمد السمَّاك أمين عام اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار في لبنان. حضر الندوة عددٌ كبيرٌ من المهتمين بموضوع الحوار عبر تقنية الـ “زووم” وعبر صفحة “الفايس بوك” التابعة للمجلس المذهبي.

أبي المنى:

افتتح اللقاء رئيس اللجنة الثقافية في المجلس الشيخ الدكتور سامي أبي المنى مرحِّباً وممهّداً وناقلاً مباركة سماحة شيخ العقل الشيخ نعيم حسن، وممَّا قاله: “نجحت مسيرة الحوار غالباً في تأكيد الوحدة الإنسانية، أي الوحدة في التنوُّع، وفي نزع أفكار التكفير والانغلاق والصور النمطية من أذهان بعض الأفراد والجماعات، ولكنها فشلت مرّاتٍ ومرَّات تحت وطأة السياسات الهدَّامة المستورَدة من هنا وهناك، وتأثيرِ دروس التعصُّب والتطرُّف والتخلُّف والإرهاب المُمنهجة في أكثرَ من معهدٍ وتنظيمٍ ودولة، وكما كانت هناك فتراتُ سلامٍ وعيشٍ مشترَك، كانت هناك جولاتٌ من الحروب والانتهاكات والاعتداءات على كرامة الإنسان وقدسية الأديان، ولكنَّ منطقَ الحوار ظلَّ هو الأقوى كونَه يلامسُ حقيقةَ وجودِنا وفحوى معتقداتِنا ولبَّ عقولنِا وشِغافَ قلوبِنا”.

وتابع: “ليس الحوارُ مشهداً فولكلورياً استعراضياً، كما يحلو لبعضِهم تصويرُه، لكنه يكون كذلك إذا لم يلامس عمق المشكلات في الحياة، وإذا لم تكن له مناهجُ عمليةٌ وتربوية، ولم يتحول إلى ثقافةٍ يومية تتربى عليها الأجيال، وتواجه من خلالها تحدياتِ التطرُّف والشحن الطائفي”.

وتابع “إن إنجازات المسيرة الحوارية تراكمت منذ انطلاق المجمع الفاتيكانيِّ الثاني وحتى اليوم، “في لبنان أولاً وفي الدول الشقيقة من بعده، وفي أماكن العلم ومراكز القرار، والتي أصدرتِ الإعلانَ تلو الإعلان والوثيقةَ تلو الوثيقة، مؤصِّلةً ثقافة الحوار كما وردت في الكتب المقدَّسة والمراجع الإسلامية والمسيحية، ومسلِّطةً الانتباهَ على المحطات والمواقف الإيجابية في تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية، لتكون هي الصورةَ المعبِّرة بدلاً من صور الصراع ومواقف العداء، ومراكِمةً الأفكارَ والتطلُّعاتِ والتجارُبَ وكأنها أسسٌ صلبةٌ لبنيانٍ صلبٍ ما زلنا نبني عليه لنُعليَ أعمدةَ الأوطان وصروحَ السلام”.

وختم قائلاً: “هذا الحوار هو “حوار الحياة”، وقد جاء انطلاقاً من الحاجة إليه في حياة كلٍّ منّا، وإن كان الحوار العقائدي “الملطَّف” لا بدَّ منه للتعارف الأكثر التصاقاً بالروح، وللإيضاح والاستيضاح من أجل إزالة الالتباسات ومحاولة معرفة الآخر كما يقدّم نفسه، لا كما يقدِّمُه الآخرون، ودون الخوض في الخصوصيات العقائدية لكل طائفة، كي لا يكون ذلك سبيلاً للخلاف أو للانزلاق إلى التوفيق أو إلى التلفيق بين عقائد مختلفة وقناعات متناقضة”.

ثمَّ أدار الشيخ أبي المنى الندوة مؤكداً على رسالة المجلس المذهبي ودوره في احتضان ثقافة الحوار، ومقدِّماً المحاضرين على التوالي.


الحلبي:

تحدَّث القاضي عباس الحلبي عن مسيرة الحوار مركِّزاً على تجربة الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي بدءاً من العام 1995، قائلاً: “كانت المغامرة تستحقّ المحاولة، كانت مميّزة استحقّت وتستحقّ المحاولات المتكرّرة”، مشيراً إلى الظروف التي أدَّت إلى الانكماش المؤقّت، وقائلاً: “لكنَّ الفريق، وبالرغم من شتى الظروف والصعوبات، ما زال مستمراً في رسالته الحوارية التي باتت تحتاج الى تأريخ أعمالها وتوثيق بياناتها ومقرراتها ومنشوراتها ودراساتها، لتبقى منارة لنا ولأجيال الغد حتى نرى جميعاً المستقبل بعيون الماضي والحاضر، خصوصاً وأن الوثائق التي أصدرها الفريق تباعاً، قد أسست لحوارات نشأت وازدهرت لاحقاً، واعتُمدت في مناهج تربوية وفي مراكز الأبحاث العربية والأجنبية”.

وتابع: “نعم، إن الفريق العربي كان مؤسّساً وملهماً بطريقة مباشرة وغير مباشرة لفرقٍ حوارية أخرى، فهو من مؤسسي ثقافة الحوار في المشرق العربي، ومن رواد الحوار الإسلامي- المسيحي في لبنان، إلى جانب الندوة اللبنانية وجامعة القديس يوسف في بيروت”.

وختم بالقول: “واهمٌ من يظن بأن زمن الحوار الإسلامي- المسيحي ولّى، أو أن الحوار قد فشل في انتزاع العنف ووأد الفتن أو في خلق عالم أفضل. فالحوار لا يُحدّ بزمن ولا يقاس بمكيال أو مسبار، بل هو ممارسة يومية ومسيرة تربوية مطّردة تتجدّد في كل زمان ومكان وبوسائل مبتكرة، لتمتين الأخوة الإنسانية ولزرع بذور القيم الكامنة في الأديان، كما قال المهاتما غاندي بأنه “لن يكون سلام دائم على الأرض، إلا إذا تعلمنا أن لا نتسامح فقط مع أديان الآخرين، بل وأن نحترمها كما لو كانت أدياننا”.


عكشة:

المونسينيور خالد عكشة تحدَّث من روما عن “الكنيسة الكاثوليكية والمسلمون: الحالة الراهنة والتطلُّعات”، معتبراً أن هناك علاقة الكنيسة الكاثوليكيّة المركزيّة بالمسلمين وعلاقة الكنائس المحلية بالمسلمين؛ الأولى جيّدة “وتشهد على ذلك زيارة البابا فرنسيس لدولٍ عربيّةٍ، وأخرى غير عربيّةٍ ذات غالبيةٍ سكانيّة مسلمة، ومشاركته في مؤتمر الأزهر عن السّلام في القاهرة، وتوقيعه وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب في أبو ظبي على وثيقة الأخوّة الإنسانيّة، ومع الملك محمّد السّادس، بصفته رئيس لجنة القدس في منظّمة التّعاون الإسلاميّ، على “نداء القدس”… إضافة لزيارة العراق في آذار الماضي، والتي كان من أهمّ محطّاتها لقاءه المرجِع الشيعيّ الأعلى، آية الله العظمى عليّ السيستاني؛ واللّقاء الرّوحيّ الّذي جرى في أور، مدينة إبراهيم أبي المؤمنين”.

وأشار المونسنيور عكشة إلى أن للإسلام ميزة في المجلس البابويّ للحوار بين الأديان عن بقيّة الدّيانات بوجود “لجنة العلاقات الدينيّة مع المسلمين”، و”يعود هذا الى الروابط الروحيّة الخاصّة القائمة بين المسيحيّين وأخوتهم المسلمين. ولهذه الدّائرة علاقاتٌ وطيدةّ مع منظّماتٍ ومؤسّساتٍ دينيّةٍ إسلاميّة أساسية”.

وعن العلاقة بين المسلمين والكاثوليك على مستوى الكنائس المحليّة، رأى أنه “من البديهيّ أنّها تختلف من بلدٍ لآخر وتخضع لتغيّراتٍ مستمرّةٍ لأسبابٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّة. وهناك عامل الأكثرية والأقليّة العدديّة، ووضع الديموقراطيّة وحقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة الّتي تؤثّر على العلاقات بين أتباع الأديان والطوائف… والجهود المبذولة من الجانب الاسلاميّ لتجديد الخطاب الدينيّ… والإسهام في تحسين العلاقات بين أتباع الدّيانتين”.

وإذ أشار إلى “تصاعد الغلوّ والتشدّد والعنف المرتَكب باسم الدّين في أمكنة عديدة”، أورد بعض التطلُّعات مؤكِّداً على أهمية النظرات الإيجابية والتربية ووعي المشتركات وتفهُّم الاختلافات بموضوعية واحترام ومواكبة التغيُّرات التي يشهدها عالم اليوم، وبخاصة فئة الشباب لكي “نستطيع أن نعيش كلّ جديدٍ في نور الإيمان”، مهتدين ” بهدي الإيمان وبنور العقل، ومصالحين في حوارنا ومجمل علاقاتنا “الحقيقة مع المحبّة” من أجل “أن تسير مجتمعاتنا نحو علاقةٍ سليمةٍ بين الدّين والدّولة، ما يمنع التّوظيف السّياسي للدّين والتوظيف الدينيّ للسّياسة”.


الخوئي:

من العراق تحدَّث السيّد جواد الخوئي عن “دور المؤسسة الدينية في تعزيز ثقافة الحوار”، مؤكِّداً على احترام جميع الأديان للإنسان وتكريمه، ومشيراً إلى اهتمام حوزات النجف بذلك، قائلاً: “لقد زَخرَت حوزةُ النجفِ الأشرفِ العلميةُ الدينيةُ في تاريخها العريق بالكثير من المواقفِ الإنسانيةِ والأخلاقيةِ الداعيةِ الى احترامِ الآخَرِ وعدمِ المَساسِ بمقدساتِه ورموزِه وحرمة التعدي عليها والإضرار بها، لأن ذلك مخالفٌ لروح الإسلام وجوهرِ الشريعة”.

متابعاً: “لم يقتصر ذلك على الجانبِ العلمي النظري او الرؤى الفكريةِ المجرّدةِ بل تجسَّدَ في مبادراتٍ عمليةٍ فاعلةٍ على أرض الواقع خلال السنواتِ المنصرمة على الصعيدِ العراقي وعلى الأصعدةِ العربيةِ والإسلاميةِ والعالمية، وكان مصداقُها الأخير المعروف ترحيبَ النجفِ الأشرفِ بالحبر الأعظم البابا فرنسيس في زيارتهِ التاريخيةِ الأخيرةِ للعراقِ واللقاءِ المشترك مع المرجعيةِ الدينيةِ العُليا على أملِ تدعيمِ أواصرِ الإلتقاءِ الإيجابي بين الديانتَين الكبيرتَين وتعزيزِ العيش المشترك”.

وممّا قاله في الختام: “لا يغيبُ عن البالِ ما تكتنف هذه التجربةُ المثيرةُ من تحدياتٍ حقيقيةٍ مشتركةٍ؛ كالإرهابِ والتكفيرِ والظُلمِ وفقدانِ العدالةِ الإجتماعيةِ ونقضِ مبدأ المواطنة المتساوية في الواجبات والحقوق وغيرها، لذلك تبدو الضرورةُ ملحةً في معالجة جادةٍ لأسبابِ هذا الخلل المنهجي الغالب في الفكرِ والثقافةِ والتعليمِ والإعلامِ وفُرَصِ العيش الكريم والعلاقاتِ العامةِ بين المجموعاتِ والإثنياتِ والأعراقِ والأديانِ والطوائف، حتى نصلَ الى بَرِّ الأمانِ وشاطيء الاطمئنانِ”.


السمَّاك:

ختام المداخلات كلمة قيِّمة ومكتوبة للدكتور محمد السمَّاك أرسلها معتذراً عن الحضور لسببٍ صحي، عنوانها: “هل من جدوى للحوار الإسلامي – المسيحي؟”. قرأ مقتطفاتٍ منها الشيخ أبي المنى، وممّا جاء فيها: ” تتطّلب عملية تقييم الحوار الاسلامي – المسيحي النظر الى هذا الحوار من خلال مرحلتين أساسيتين تفصل بينهما موجة التسونامي من التطرف والارهاب التي ضربت هذا الحوار وكادت أن تقضي عليه… كنا نتحاور معاً، والمعية هنا تترجم المشاركة التكاملية، وتنطلق من قواعد وطنية وقومية وإنسانية واحدة… الآن يدور الحوار حول المبدأ، ويطرح تساؤلات مؤلمة ولكنها واقعية: لماذا الحوار اليوم وهو لم يحجب الفتنة بالأمس ولم يمنع الأذى ولم يردع التكفيريين؟ أي جدوى منه اليوم؟ ولماذا نتحاور؟ وعلى ماذا؟ وكيف؟”

وبعد تقديمه مثلاً يُبنى عليه لـ “مقاربة هذه القضية الدقيقة والهامة جداً”، كخلفية دينية – تاريخية “للإضاءة على واقع الحوار الاسلامي – المسيحي اليوم”، وهو من الرواية القرآنية عن النبي ابراهيم، وبعد استخلاص العبر منها القائلة بالحاجة إلى تدخُّلٍ إلهي وتدبيرٍ إنساني، يقول: “إن أسس ومنطلقات وأهداف الحوار اليوم هي غيرها بالأمس، والمقاربات الحوارية لا يجوز أن تبقى كما كانت، ولا بد من قواعد وأسس فكرية ومنهجية جديدة تقوم عليها. فالحوار في السابق لم يَحُلْ دون الجريمة. من أجل ذلك ، فعندما ندعو الى الحوار اليوم يجب أن يدرك جيداً ان المعجزة التي تحققت على يد ابراهيم عليه السلام بعودة الحياة الى الطيور المذبوحة والمتناثرة، لم تتحقق ولا يمكن أن تتحقق الا بتدخّل إلهي يترجمه عمل انساني”.

وتابع: “إن مسيحيي الشرق يشعرون انهم مثل تلك الطيور، وهم الآن مدعوون للعودة الى الحياة المشتركة من جديد. إن نجاح هذه الدعوة بالاستجابة اليها هو في مستوى المعجزة، والمعجزة ليست عملاً إنسانياً، بل إرادة إلهية، وترجمة ذلك لا تكون إلا على أيدي مؤمنين حقاً بالله وبالحوار الذي دعانا الله الى اعتماده في حياتنا المشتركة”.

وإذ عرّج السمَّاك على ذكر المبادرات الإسلامية التي تشكل في مجموعها قاعدة وأساساً لإطلاق الحوار الجديد المنشود على الأسس والقواعد الجديدة التي لا بد منها لتحقيق المعجزة، ومنها: مؤتمر مكة، مؤتمر مراكش، مؤتمرات الأزهر الشريف، مؤتمر عمان، مؤتمر بيروت (المقاصد) وغيرها، وعلى الأخصّ مبادرة البابا فرنسيس والإمام أحمد الطيب حول الأخوّة الإنسانية في عملية إحيائية جديدة لاستعادة الثقة الإيمانية المشتركة بالحوار وبالعيش المشترك، رأى أنّ “مسيرة الحوار كانت تسلك طريقاً ممهدة قليلة المنحدرات والمنعرجات، أما الآن فإن الطريق مليء بحفر القلق وعدم الثقة والخوف، وبالكثير من خيبات الأمل وجراحات الألم، وتعترضها مطبات من ركام الأديرة والكنائس ومن بيوت المؤمنين التي هُدّمت، والتي تركت في أعماق ضحاياها جراحات معنوية عميقة لا تندمل بالتجاهل ولا بالتناسي على قاعدة عفا الله عما مضى. فالحوار البنّاء لا يقوم على النسيان أو التناسي. ولا حتى على التسامح والمسامحة. انه يقوم أولاً وأخيراً على الحقوق وعلى المساواة في الحقوق والمواطنة التي يرتفع عليها صرح الثقة… ليس على أساس أن قدرنا أن نعيش معاً، ولكن على أساس أن إرادتنا أن نعيش معاً، أخوة متحابّين ولكن متساويين”.


في الختام قدَّم بعض الحضور تعقيبات واقتراحات مفيدة وبنَّاءة، ومنهم الشيخ عبد العزيز الموسى من مكة المكرَّمة والدكتور صلاح أرقدان، لبناني مقيم في الكويت، والدكتور هاشم العوادي من النجف والأستاذ عمر الزين والدكتورة منى رسلان من لبنان، وكان وعدٌ من الداعين بأن تكون هذه الندوة واحدة من سلسلة ندوات مستقبلية في موضوع الحوار الإسلامي المسيحي وما يتعلق به.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d bloggers like this: