رسالة سماحة شيخ العقل رئيس المجلس المذهبي بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك

لمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، وجّه سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن الرسالة التالية:

“بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالَمِين، والصّلاة والسّلام على خاتم النبيين وسيِّد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إنَّ لِحُلول شهر رمضان المُبارَك في نفوس المؤمِنيــن وقـلوبِهم، وفي أمكنتِهم وزمانهم أينما كانوا، أبلغ العِبَر وأصفى الحِكَم وأنجع الآيات، إذ هوَ شهرُ هدايةِ النَّاس إلى الحقّ، وظهُور البيِّنات التي تُـلهمَ أفئدة المُخلصِين التمييــز بين الحقّ والباطل، ما يوجبُ التعظيم لله عزَّ وجلّ، والوقوف بين يديه وقوف الصائم القائم شكراً له على ما أنعم من فضله وحِلمِه وتوفيقِه وتيسيره وأنواره التي بها تُسلكُ المسالكُ بالطاعةِ إلى رضاه.

وليس من قبيل الأمر العارض أن تَليَ آيةَ النزول من سورة البقرة، أي﴿الَّذي أُنزِل فيه القرآنُ هدًى للنّاسِ﴾ الآيةُ الكريمة ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فإنّي قريبٌ أُجِيبُ دَعوةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فَليسْتجِيبوا لِي وَلْيُؤمِنُوا بِي لَعلَّهُم يَرشُدُون﴾. فالصِّيام تهذيبٌ للجسمِ أي للجوارح وأعمالها التي لا بُدَّ أنَّها في الوقتِ عينِه تهذيبٌ للقـلبِ ليكونَ حاضراً في الحقِّ على مقدار همَّة الصَّائم وعزمِه واشتياقِه إلى الاستئناسِ بالوجُود الملآنِ بألطافه ونِعمِه ﴿وَللهِ المَشرِقُ والمَغرِبُ فَأينَما تُوَلُّوا فَثَــمَّ وجْهُ اللهِ إنَّ اللهَ واسعٌ علِيم﴾، حينئذٍ يستحضرُ دُعاءُ الطائع القُربَ، وتستدعي الاستجابةُ الإجابة، ويحقِّقُ الإيمانُ الصَّادقُ بالأعمال والعبادات الرُّشد، أي الإدراك والاستقامة وسدَاد العقل في تدبير حياةِ السَّالك بـرُمَّتِها.

إنَّ إيمانَنا راسخٌ وثابتٌ في أنَّ الدُّنيا بكلِّ شؤونها وشجونِها وبهارجها وزينتها لا يُمكن أن تقفَ حائلًا دون تحقيقِ مقاصِد الدعوةِ إلى القِيامِ والصِّيام وبذلِ الخيْـر والإحسان والمبادرة في ما توجبه المروءةُ والشَّهامةُ والأخلاقُ الحميدةُ والآداب الساميةُ من الدِّين الحنيف، فإذا باتت الدنيا، لا قدَّر الله، حائلًا دون هذا، فإن الخطأ حتماً هو في النُّفوسِ وفي الضمائر وفي مكنونات الصُّدور.

ولا بدَّ من تدارُك الأخطاء، وهو من سمات العـقل والفلَاح للمرءِ الصادق المتّزن، لا سيّما إن كان في موقع المسؤوليَّة التي يـزيدُ من خطورتها إن كانت في مندرجات العلاقة بمصالِح النَّاس وشؤون عيشهم وأرزاقهم. إنَّ السوقَ الإعلاميَّة فائضة بالأحاديث عن مكامن الفساد في البلد، وعن الإهمال الغاشم الذي أصاب محاولات النهوض بالدولةِ وإداراتها وحركة تشغيل مؤسَّساتها في شتَّى المجالات. إنَّها فضائح بكلِّ ما في الكلمة من معانٍ. ولقد تنامى إلى الأسماع أقوال بعض العقول الاقتصاديَّة في مؤتمر سيدر تحميل اللبنانيين أنفسهم مسؤوليَّة تراكُم الدَّيْن فوق أكتاف الأجيال القادمة. إنَّ معظَم الفرقاء في البلد متواجدون في كراسي الحُكم، ونتــفهَّم وعيَ معظمهم للحالة الدقيقة الخطيرة التي ينكمشُ فيها الاقتصاد القومي، ولكن ما لا نفهمه هو عدم مقاربة المواقف الى حلول جذرية بعيدة عن عوامل الخلاف والتنافر.

إنَّنا نذكِّرُ في مستهلّ الأيام المباركة بالتقوى. داعين إلى المضيّ قدُماً بروح حمل عبء اجتراح الحلول بأكبر قدْر من تحقّق روح المسؤوليَّة الجماعيَّة. ونحذِّر من أنَّ المشكلة الكبرى مع الكثير من الفئات الشعبيَّة هي الثـقة. المطلوب من ممثلي الشعب بذل أقصى الجهود، والعمل بإصرار على الخروج برؤى قويمة علميَّة واضحة سديدة لإعادة إعمار الثقة. والثقة يلزمها التصديق بأنَّ برنامج الإصلاح هو بمستوى التصدِّي لكلّ المخاوف والعثرات. العنوان اليوم هو الموازنة المعبِّرة عن مسار الدولة تجاه شعبها وتجاه الدول الداعمة والمجتمع الدولي. لكنَّ طريق الإصلاح هو متشعِّب وطويل ويلزمه أوَّلا الشعور بالمسؤوليَّة الذي يرقى فوق كواليس السياسة وشبُهات الارتباطات البعيدة عن المصالح الوطنية الحقيقية.

ولا شكَّ بأنَّ استعادة الثقة، والولوج العملي إلى خطوات إصلاحيَّة حقيقيَّة، وتقديم البرهان بالعمل الجدّي الذي يرقى إلى مستوى مجابهة الأخطار، من شأنه أن يجدِّد عافية بلدنا العزيز.

نسأل الله تعالى بحقّ ما أُنزل في هذا الشهر الفضيل أن يمنَّ علينا بعونه وتوفيقه، وأن يشدَّ من أزر شعوب أمَّتنا لاستعادة سلامها واستقرارها وعزَّتها، وأن ينصرَ المناضلين في القدس وفي فلسطين العزيزة على الطغاة الظالمين، ﴿بَلِ اللهُ موْلاكُم وَهُو خيْرُ النَّاصِـرِين﴾.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d مدونون معجبون بهذه: