المؤرخ حسن البعيني مكرماً من المجلس المذهبي

 كرَّمت اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز المؤرِّخ الدكتور حسن البعيني في بلدته مزرعة الشوف بالتعاون مع المجلس البلدي ورابطة آل البعيني، وبحضور ممثِّلٍ عن كلٍّ من شيخ العقل الشيخ نعيم حسن القاضي فؤاد حمدان، ورئيس الحزب التقدُّمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس اللقاء الديمقراطي تيمور جنبلاط الدكتور ناصر زيدان، وعن النائبين مروان حمادة ونعمة طعمة، وقضاة من المحكمة الدرزية ورؤساء لجان وأعضاء من المجلس المذهبي ومسؤولين من كلٍّ من مؤسسة العرفان التوحيدية ومدارس الإشراق ومدارس الليسيه ناسيونال ورئيس الأركان السابق اللواء حاتم ملَّاك وهيئات بلدية واختيارية وتربوية واجتماعية ونسائية وثقافية، وحشد من المشايخ وأهالي البلدة وأصدقاء المكرَّم.

 ذبيان

بعد النشيد الوطني تكلَّم مرحِّباً عضو المجلس المذهبي أُسامة ذبيان، قائلاً: نثمِن للمجلس المذهبي ممَثَّلاً بلجنته الثقافية الموقرة هذه الالتفاتة الكريمة المتمثلة بتكريم قامة من قامات الثقافة والتأريخ، إبن مزرعة الشوف البارّ الدكتور حسن البعيني الذي أعطى الكثيرَ من وقته وجهده لحفظ تراث الموحِّدين وتاريخهم، والذي يحفلُ رصيدُه الثقافي والتاريخي بمؤلفات عدّة توَجها بكتابه الأخير القيِّم الذي وضعه بعنوان “المجلس المذهبي والأوقاف عند الموحِّدين الدروز في لبنان”.

ثمَّ قدَّمت وأدارت الدكتورة فريال زهر الدين عضو اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي الندوة التكريمية مستهلَّةً كلامها بالقول: بتكريم الدكتور حسن البعيني نتابع في اللجنة الثقافية مسيرة العمل الثقافي الذي التزمنا به ونقدم الوفاء والاحترام لعلمٍ معطاء من أعلامنا الذي انتهج نهج آبائه وأجداده المعروفيين الموحدين، وهو المؤرخ الموضوعي الذي أغنى المكتبة التوحيدية والوطنية بأكثر من أربعة عشر مؤلّفاً بدءاً من كتابه “جبل العرب” وصولاً إلى كتابه الأخير “المجلس المذهبي والأوقاف عند الموحدين الدروز”… ولبلدة أبيّة حجزت لنفسها مكانة خاصة في وجدان أهل الجبل وتاريخهم وقدّمت للبنان عدداً كبيراً من أرباب الفكر والقلم وأهل العلم والإبداع.

 بسام البعيني

الكلمة الترحيبية الاولى كانت لرئيس رابطة آل البعيني الدكتور بسام البعيني حيث قال: لم يكن الدكتور حسن مُنحازاً في نقله للحقائق،  فقد استطاع أن يصحِّحَ التاريخ، كما فعل كمال جنبلاط في سهل السمقانية عند افتتاحِه مؤسسةَ العرفان، معلناً أن تصحيحَ التاريخ يجبُ أن يبدأَ من مكانٍ ما، وقد انطلقَ القطار.. فشكراً من القلب لأنّك عملتَ على تصحيح الخَللِ التّاريخي، وفتحتَ الطريقَ لمن أرادَ امتلاكَ معرفةِ وقائع التاريخ بصدق، فجعل شعارَه صدقَ المقال؛ حتى ولو كان ذلك في غيرِ مصلحتِه، يقيناً منك أنّه من هنا يبدأُ بُنيانُ الحضارات. 

أبو كرُّوم

تلاه في الترحيب رئيس بلدية مزرعة الشوف؛ رئيس اتِّحاد بلديات الشوف السويجاني المهندس يحيى أبو كرُّوم الذي قال: إنه الدكتور حسن أمين البعيني عالماً عارفاً، باحثا مبدعاً و عاقلاً رصينا. عرفناه يوم تفتقت بنا أزرار الصبا مُدَرساً صالحاً و مديراً ناجحاً، وعرفناه في عيون الأهل والكبار والمربين، شهماً مخلصاً معطاءً وموضِع ثقة الأخيار والأبرار، ومن ثم توثقت به المعرفة والثقة رجلاً مصلحا معطاءً مبادراً في كل المحطات التي مرت بها البلدة والجبل والوطن… هو أمينٌ من بلادي، بل من بلدتي مزرعة الشوف، بلدة الرجال الرجال، نخوة واقداماً، حكمة ورفعة وايمانأ، بلدة المصالحة التاريخية التي أرساها غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير والزعيم الوطني العروبي وليد بك جنبلاط، لتغفو ترانيم الصلاة على وقع أجراس المحبة والايمان، و ليرقى أمثال المكرم على أكف الفخر والعز  ودُرِّ التيجان.

أبي المنى

ختام كلمات الترحيب كانت لرئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، وممَّا قاله: يُسعدُنا أن نُشاركَ وإيَّاكم مناسبةَ تكريم الدكتور حسن البعيني، كواحدٍ من ذلك الرعيل التربوي والثقافي السبَّاق، وأحد كبار المؤرِّخين الموحِّدين الدُّروز الذين ساءهم أن يُشوَّه تاريخُهم الوطنيُّ والعربيُّ العريق، وأن يُهمَلَ تراثُهم الغنيُّ بالمواقف والمآثر والبطولات، والذين شاقَهم وراقَ لهم أن يقوموا بواجب البحث والتنقيب والإضاءة على الكنوز، فكانوا بحقٍّ حمَلَةَ مشعلِ الوفاء والأمانة، بدءاً من المؤرِّخين الأوائل كالأمير صالح التنوخي والشيخ يحيى بن سباط، وصولاً إلى المؤرِّخين والمثقَّفين الراحلين الكبار كعباس أبو صالح وسامي مكارم ونجلاء أبو عزِّ الدين وغيرهم ممَّن كتبوا في التاريخ والعرفان والوطنية، أو ما زالوا يكتبون، ومروراً بأعلامٍ لمعوا على المستوى المعروفي والوطني والعربي والإنساني، كالأميرين شكيب وعادل أرسلان وعجاج نويهض وكمال جنبلاط.

إنَّنا، في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، حريصون على متابعة هذا المسار وتنشيط العمل الثقافي، في ما يساعد في كتابة التاريخ والتراث وتنقية الذاكرة، وتأكيد دورِنا في ترسيخ ثوابت الانتماء الاجتماعي؛ التوحيدي والوطني، وتثيبت هويَّتنا الإسلامية العربية، والتأكيد على دور الثقافة في المصالحة والعيش معاً وتعزيز المواطَنة الصالحة، وإننا لمُدركون أنَّ ما ينتظرُنا كثيرٌ على مختلف الأصعدة، من العمل الاجتماعي والاقتصادي والاغترابي، إلى العمل الديني والثقافي والحواري، لنثبتَ جدارتَنا بحمل رسالة التوحيد والمعروف والوطنية، وتحقيق الغاية السامية التي نسعى إليها في مجتمعنا التوحيدي وبين أهلِنا المقيمين والمغتربين، وبين عائلاتنا الدينية أو المدنية، ومعَ إخوانِنا في العقيدة التوحيدية والوحدة الوطنية والهويّة العربية والمهمَّة الإنسانيّة.

البستاني

ثمَّ تتالت المداخلات من المؤرِّخين، الأولى كانت للدكتور حارث البستاني، فقال: من يطالع مؤلفات الدكتور حسن البعيني يرى أنه اتبع الاسلوب التاريخي الأقرب الى مبدأ التأريخ الذي يقول أن تاريخ شعب ما لا يلقن الى الأجيال الناشئة إلا بالسرد البسيط الموثق بتقاليد الأسلاف وأنه يجب أن يكون مكوناً من القصص الصغيرة من تراث هذا الشعب. فإنه تطور مع الزمن فبنى الحارة ثم القرية ثم المدينة. فصنع لنفسه العادات والتقاليد المادية، الزمنية والروحية. وطبق الدكتور حسن هذه المبادئ في مؤلفاته عن الشوف وشعبه وشعب لبنان .

فجاءت دراساته متممة وشارحة ومضيفة تعاليق وحواشي وشواهد وأسانيد: مصادر  مراجع…، فخلاصات ونتائج، وعبراً تكمل ثقافة دارسي التاريخ الشوفي واللبناني في دوائمه الثابتة خلال العصور، المتمثلة في شخصية الشعب اللبناني، كذلك في أخلاقه وصفاته الصالحة والفاسدة ومحاسنه ومساوئه، في فضائله ورذائله، في مفاخره ومخازيه، في مناجيه ومثله، في بطولاته الرائعة وتخاذلاته الزرية وفي انتفاضاته العنفوانية.

حطيط

المداخلة التاريخية الثانية كانت للدكتور أحمد حطيط، وممّا قاله: ليست بالمهمّة اليسيرة أن تتوغّل في رحاب مؤلّفات الدكتور حسن البعيني، فدونك أنْ تسيرَ على هدًى في تعاريج المسائل التي يعرض لها في تاريخ لبنان والعرب القديم والوسيط والمعاصر، ما قد يربك القارئ ويجعله عاجزاً عن الإحاطة بهذه المصنّـفات، التي نافت على أربعةَ عشَرَ كتابا، تناول فيها موضوعات مختلفة من تاريخ لبنان بعامّة، والتاريخ السياسي والاجتماعي لطائفة الموحّدين الدّروز، في سوريا ولبنان وفلسطين بخاصّة، إضافة إلى سِيَرِ بعض مشاهير رجالاتهم.

إنّ الصديق الدكتور حسن أمين البعيني عَلَمٌ من أعلام المؤرّخين اللبنانييّن والعرب، ممّن تميـّـزوا بكثرة النتاج العلمي وسعة الأفق، فكان له قصب السّبق في الإجابة عن تساؤلات كثيرة بموضوعية حاكمة، وفِكْرٍ ثابتِ، ومنهج رصين، ناهيك عن أسلوبه العلميّ المزوّق برشاقة العبارة وحلاوة البيان، ولغته الجزلة على انسياب، ما جعله يقارب حقائق كثيرة في المسائل المعـقّـدة التي درسها، وأضحت مؤلّفاته مراجع موثوقة يُحتَذى بها.

 قاسم

تلتها مداخلة للدكتور طارق قاسم متوسِّعاً في الإشادة بالمكرَّم، وممَّا جاء في مداخلته: عرفته في تسعينيّات القرن الماضي، أحببته من النّظرة الأولى ومن أول لقاء. دَمِثُ الأخلاق، كريمُ النفس، نقيّ السّريرة، طيّب القلب، يحمل معه أصالة ابن الشُّوف وكرمه وطيبته… إنّه الأكاديمي المُميّز والباحث الخلّاق والمؤرّخ النابغة، على ما خلّفه من مؤلّفات وأبحاث اتّصفت بالرّوح الموضوعية واجتناب المبالغة، وكانت غايته الوصول إلى الحقيقة العلميّة… من خلال اهتمامه للتوثيق والبحث عن المصادر الموثوقة، والاهتمام الخاص بالوثيقة التاريخيّة لتكون الأساس الذي تُبنى عليه الدراسات التاريخيّة… وكانت الأساس في كتابات الدكتور حسن البعيني، هي الموضوعيّة والتجرّد وعدم الانحياز إلى المواقف السياسية والطائفية والمذهبية التي تشوّه الدّراسات التاريخية.

غانم

ختام المداخلات الأساسيّة كانت للدكتور رياض غنَّام الذي أشاد بالمؤرِّخ المكرَّم، وقال: حسن أمين البعيني، سنديانةٌ شامخةٌ في كتابة تاريخ الجبل، رُوِيَت أغصانها من دماء شهداء جبّلَيّ الشّوف وحوران، لتظلّ أغصانها باسقة خفّاقة، شاهدة على أيام عزٍّ وبطولات، ما كان ليحييها من رميم النّسيان، وغفوة الزمن المتّكئ على كتف التقادم، سوى قلمٍ مَزَج حبرَه براحة النفس، وأرضى ضميره بجهد الروح، فأتحفنا بموسوعة فكريّة في التاريخ والسِّيَر والتّراث والعادات، تكاد تكون مكتبة وارفة، ومضامين ظليلة ومتكاملة.    

حسن البعيني حفَرَ عميقاً في متون تاريخنا وتراثنا وحياتنا التربوية، فبنى رصيده بجهده وجدّه واجتهاده، وكسب معرفة الحياة وثقافة مجتمعها بالتضحية والتفاني، فجنى محبّة الناس بصدق المودة والوفاء، وبنى علاقات مَوَدّة واحترام بين عارفيه، فصار نموذجاً للاقتداء به والمحاكاة له.  صادق ليصْدُق، وعاهد ليفي، وجالس ليُمتِع، نصحَ فما كبا به ظَنٌّ، ولا خاب به أمل. حسن البعيني شَيْخُ محرابٍ، وقِبْلة معرفةٍ، ومدرسةُ قِيَمٍ وأخلاق، وكلُّها منارة اهتداء ونموذج قُدوةٍ على الدّوام.

 العاقل

ثمَّ أُعطي الكلام للأستاذ إبراهيم العاقل الذي نقل تقدير جبل العرب في سوريا لمؤرِّخه الوثيق، وقال: بعد مرور أكثر من ثلاثمئة عام على وجود أهلنا في جبل العرب لم يسبقه أحد في كتابة تاريخ أكاديمي موضوعي شامل، وثّقَ فيه كافة جوانب الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة لمجتمع الجبل.. كان ذلك منذ نحو خمسة وأربعين عاماً خلت، حيث تجَشّم عناء البحث والتجوال في الجبل، وزار المدن والقرى، وقابل أحفاد المُعَمّرين الأوائل، والتقى بسلطان باشا الأطرش (أبو الثورات) وأعيان الثوّار من مساعديه، فوثّق وقائع الجهاد التاريخي لبني معروف في مواجهة الاستبداد والمظالم العثمانيّة، ودحرهم استبداد دولة محمّد علي باشا التي لم تحسن التفاهم ليس مع الدروز فحسب، بل مع مجتمع بلاد الشام عموماً. كما وثّق وقائع معارك ثورات الجبل على الفرنسيين بدءاً بثورة سلطان يوم اعتقالهم في القريّا “دخيله” الثائر اللبناني أدهم خنجر عام 1922، والثورة السوريّة الكبرى عام 1925 – 1927، وما تلاها من نضال سوريٍّ ولبنانيِّ إلى أن اضطُرّت فرنسا للاعتراف باستقلال سورية ولبنان فيما بعد.  

البعيني

ختام الندوة كلمة المكرَّم الدكتور حسن البعيني الذي قال بتأثُّرٍ وامتنان: حياتي سنواتُ كدح في بناء الذات، وفي التعلّم والتعليم، وفي المطالعة والتأليف والبحث عن المعلومات في بواطن المدوَّنات، والتفتيش عنها في أوساط الناس في الجولات الميدانية، مع ما في كلّ هذا من الصعوبات ومن التضحيات… كلّ ما أعطيت هو واجبٌ عليّ… وكلّ نجاحٍ في سعيي هو من عون الله لي… وكلّ ما أتاني من وجوه الوفاء والتقدير هو من فضل الناس عليّ، وفيه اكتمالٌ لسعادتي وشحذٌ لعزيمتي.

إنّ التكريم الذي شرّفتموني به اليوم يا أهلَ الوفاء هو وسامٌ معنويٌّ عالٍ، وحافزٌ لأن أعطي المزيد إذا سمحت بذلك الشيخوخة وسمحت الصحّة بعد أن بلغت الثمانين… فمع أهل الوفاء يحلو العطاء…

وفي نهاية الندوة التي تحوَّلت إلى احتفاليةٍ موسَّعة تسلَّم المكرَّم الدروع التقديرية من المجلس المذهبي ومن المجلس البلدي ومن رابطة آل البعيني ومن قريبه القاضي الشيخ فؤاد البعيني، واختتم الاحتفال بتوزيع كتابٍ عن المكرَّم أعدّته اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي، وكوكتيل قدَّمته أسرة المكرَّم وفاءً وامتناناً واحتفاءً بعامه الثمانين.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d مدونون معجبون بهذه: