ندوة حول قانون الأحوال الشخصية عند الموحدين الدروز: الثوابت والتعديلات

أُقيمت في بلدة بتاتر- قضاء عاليه- ندوة حول قانون الأحوال الشخصية عند الموحدين الدروز: الثوابت والتعديلات، بالتنسيق مع اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز وبدعوةٍ من نادي شباب بتاتر ورابطة سيدات الجرد والاتحاد النسائي التقدمي في البلدة، حاضر فيها الشيخ د. سامي أبي المنى رئيس اللجنة الثقافية في المجلس والمحامي الأستاذ نشأت هلال رئيس اللجنة القانونية والسيدة مي وهَّاب أبو حمدان رئيسة الجمعية الخيرية للتوعية الاجتماعية، وحضرها رئيس بلدية بتاتر فادي غريزي ومخاتير البلدة وممثلي جمعياتها وعضوا المجلس المذهبي د. وليد غريزي و د. ربيع غريزي وعدد من رؤساء البلديات في قرى الجرد وممثل عن مؤسسة العرفان التوحيدية الشيخ كمال أبي المنى وحشد من الأهالي والهيئات النسائية والشباب.

بعد تعريف للسيد هشام غريزي تحدثت باسم البلدة المحامية الأستاذة فاديا حامد، ثمَ السيدة ليندا عطاللهّ باسم رابطة سيدات الجرد.

الشيخ أبي المنى  

في مداخلته أشار الشيخ سامي أبي المنى إلى أن الخصوصية في مجتمع الموحدين الدروز ترتكزُ على قيم الفضيلة والأخلاق، وتُحكَم بالعقل  قبل أن يحكمها النصُّ أو القانون الوضعيّ واجتهادات المحاكم، وهي تَعتبر أنّ الله تعالى خلق الذكر والأنثى ليُكمّلا بعضهما بعضاً، وبالتالي لتكتمل صورة المجتمع ولتستمرَّ الحياة، وخلق لكلٍّ منهما خصائصَ ومقوّمات ووضع فيهما ميزات وقدرات، وهناك ثوابت لا يمكن الاعتراضُ عليها أو تغييرُها، فلا نعترض على الله لخلقه الذكر ذكراً والأنثى أنثى، كما خلق الشمس شمساً والقمر قمراً. لقد أعطى لكلٍّ من الرجل والمرأة دوراً لم يُعطِه للآخر، وخلق في الرجل طاقاتٍ لم يخلقْها في المرأة، والعكس صحيح، فإذا تكاملت طاقات الرجل وطاقات المرأة، وكانت مكمّلةً بعضُها لبعض تقدّمت المجتمعات والبشرية، بدءاً من العائلة الصغيرة إلى المجتمع إلى الوطن فإلى الإنسانيّة جمعاء.

وتابع قائلاً: لا يجوزُ إطلاقاً في منطق الدين والإنسانية تحويلُ طاقة الرجل للاعتداء على المرأة والتعالي عليها ومصادرةُ دورها وتهميشُها وتحويلُها آلةً بيده، ولا يجوز لها أن ترضى بذلك فتخالف شرعَ الله وتساهم في تراجع المجتمع وسقوطه، والمهم أيضاً ألاّ تحوّلَ المرأة مقوّماتِها وميزاتها إلى غيرِ ما خُلقت له، فتسعى إلى استعباد الرجل عاطفياً ومادياً وتحوّلُه عن دوره الإنساني الذي خُلق له، وفي ذلك اعتداءٌ عليه أيضاً.

للمجتمع حقوقُه وللأعرافِ الاجتماعية أهميَّتُها، ولكن للعقلِ دورُه الأساس، وللتطوُّر الاجتماعي متطلباتُه، ممّا يُوجبُ إقامةَ التوازن بين الثابت والمتغيِّر من التقاليد والعادات، ضمن قاعدةٍ ثابتة غير متغيِّرة تؤكِّد أن للمرأة حقوقاً وعليها واجبات، وبأنّ حقوقها يجب أن تُصان في التعلّم والرعاية والمشاركة والعمل، وواجباتِها يجب أن تلتزم بها في التربية والرعاية وصيانة الفضائل والقيم الاجتماعية لتكون قدوةً صالحة للأبناء، فكما يجب إقامة التوازن بين الماضي والحاضر، كذلك، فالحق والواجب يجب أن يتلازما ويتكاملا، وبذلك نتجنبُ المشاكل الأُسَرية بما فيها العنف الكلامي والجسدي.

وأشار إلى أنه بالرغم من المتغيرات العديدة في عصرنا الحاضر، فإن هناك ثوابت تحفظ المجتمع، ولا بدَّ من الحفاظ عليها، فالتقاليد ليست كلُّها بالية، والتقاليد الشريفة كنزٌ اجتماعيٌّ، من الخطأ والخطر إضاعتُه، ومجتمعُنا التوحيدي تميَّز عبر التاريخ بالعديد من العادات والتقاليد المحافِظة والتي تحترم الإنسانَ وكرامتَه وتحترم العائلة وتماسكَها والمجتمعَ وعلاقات الناس بعضِها ببعض، كما تعطي تلك التقاليد قيمةً للفضائل ومكارم الأخلاق، وفي مقدَمتها الشجاعة والعفَّة والحكمة والعدالة، إذ ليس هناك مجتمعٌ فاضلٌ ما لم يكنْ هناك مرتكزاتٌ أساسية. والحرية تنقلب فوضى إذا لم يرافقها الوعي والعقلانية، كما يقول كمال جنبلاط.

وقال: إن مسلك التوحيد هو مسلك العقل والحكمة والعرفان، لذلك فالقوانين التي تحكم مجتمعنا التوحيدي ترتكز إلى العقلانية، وهي أقربُ إلى القوانين المدنية التي تحترم حقَّ الإنسان، ذكراً كان أم أنثى، وتميل نحو المساواة بينهما، وتحكم بالعدل، وتُقيمُ الحدَّ على مَن عليه حقٌّ، وتأمرُ بالإنصافِ من قبل كلٍّ من الزوجَين. 

صحيحُ أنَّ الشرع التوحيدي يُعطي الرجلَ دوراً متقدماً على المرأة، لكنه طالب الرجل أن يساويَها بنفسه في كلِّ شيء من دنيا ودين، ويشمل بذلك العلم والمال والدور الاجتماعي والعائلي وما إلى ذلك، وأن يُنصفَها من جميع ما في يده من حوائج الدنيا، وفي ذلك ارتقاءٌ بمفهوم المساواة والرضى والقبول والمحبة، وقد أشار الى أن الفرضَ اللازم على المرأة أن تكون داخلة في طاعة زوجها، حافظةً لحقوقه، ملازمةً له، وفرض على الرجل بالمقابل أن يُحسن معاملتَها وأن يتعاون معها في أمور الدين والدنيا، دونما جورٍ أو تكليفٍ لها بما يفوق طاقتها، وألَّا يظلمَها، فيكونا ساكنَين بعضُهما لبعض بمودَّةٍ ورحمة امتثالاً لقولِه تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.” (سورة الروم، آ 21)

فالزواج لا ينجح بدون المودة والإخلاص والرحمة والسكون إلى الشريك، والتعاضد ليصيرَ الاثنان وكأنهما واحدٌ،  والانسجام بين الزوجين هو العنصر الأساسي لنجاح العلاقة وتكوين العائلة، ولكنه لا يقوم إلاّ باقتران اثنين متفاهمَين تجمعهما عناصرُ الانسجام المذكورة أي أن يكون هناك تقاربٌ وتوازنٌ بين الاثنين في الدين والحسب والمستوى الاجتماعي، وفي غير ذلك يُصبح الأمر أصعب، وربما أبعدَ عن التفاهم والوفاق .

إذا فكَّرنا مليَّاً بالنصّ وبالمتغيرات فإننا نتوصَّل إلى نتيجةٍ حتميَّة تقضي بأن تُنصَفَ الأُنثى في كلِّ ما يتعلَّق بأمور الحياة، أكان في الميراث أم في الزواج أم في الحضانة أو غير ذلك، لتكونَ حرَّةً قادرةً على تحمُّل المسؤولية كالرجل، دون أن تفقدَ رسالتَها التي اختصّها بها الله، وتتحوَّلَ عن بناء بيت العائلة وصيانتِه بالأخلاقِ والرزانة والمحبة، إلى هدمِه بالجهلِ واللهوِ واللامبالاة، ولكي تلعبَ دورَها الاجتماعي والوطني والإنساني بكلِّ جدارةٍ وحكمة، بعيداً عن الانجرافِ إلى التعلُّقِ بالمظاهر اللمَّاعةِ دون التعلُّق بجوهر الأمور.

وبعد شرحٍ مفصّل لما يقول به مسلك التوحيد في موضوع إنصاف المرأة وشروط الزواج والميراث، ختم قائلاً: إنّ التعديلات ربما لم تُرضِ الجميعَ، وهي بالحقيقة ليست الأكمل، لكنَّ المعترضين سيتفهمونها بالتأكيد لأن قانون الأحوال الشخصية للطائفة الموحِّدة متقدِّمٌ على ما عداه في بلادِنا، ويفي بشرط المساواة إلى حدودٍ بعيدة، أمَّا العبرةُ الأكبرُ فتكونُ في التطبيق، وفي تحمُّل المرأة مسؤولياتِها، فكلَّما نالت المرأة حقَّاً كلَّما كبُرَت مسؤوليتها، فلا نهدمُ، إذّاك، ما لدينا من صرحٍ قِيَميٍّ عرفانيٍّ عريق، ونبقى محافظين على مجتمعِنا التوحيديِّ ومميزاتِه الشريفة، وهذا ما أجزمُ به بأنَّ الجميع حريصٌ عليه.

أبو حمدان:

من جهتها أشارت السيدة مي أبو حمدان إلى أنّ قانون الأحوال الشخصية لطائفة الموحدين الدروز من أهم القوانين رقياً وعدالة، وهو مبني على الفلسفة اليونانية التي تقول إن الزواج رباط مقدس موقَّع بقرار إلهي. المرأة والرجل فيه متساويان بالحقوق والكرامة أمام الله. كلاهما متمم للآخر، فكما خلقت الشمس لتنير النهار خلق القمر ليحكم الليل.

وإذ أشارت ابو حمدان إلى أن المحاكم ضجت بحالات الطلاق المتسرعة وخراب البيوت، فقد توجهت إلى الفتاة الموحدة بالقول بعد صدور التعديلات الجديدة: إياك يا فتاة أن تستغلي رفع سن الحضانة لطلب الطلاق. الطلاق ليس لمصلحتك فهو سيدمر حياتك ونفسية أولادك ومستقبلهم. كوني حكيمة بتصرفاتك، أنت أم وعليك بالصبر والتضحية، والمجتمع لن يرحمك. وخاطبت الزوجة الأم والزوج الأب قائلة: لا يكفي أيتها الأم أن تزوّجي ابنتك، بل عليك مراقبة سير حياتها وإعطاؤها النصائح للمحافظة على سلامة عائلتها، وعليك أيها الزوج توفير الأمان لزوجتك. كن حامياً لها ولا متحاملاً عليها، فزوجتك شريكة حياتك وليست خادمة. عليك باحترامها. وأنت ايتها الزوجة لا تُثقلي كاهل زوجك بالديون والمظاهر الفارغة، وفّري المال لعائلتك.

وأشارت في الختام إلى مشكلة اجتماعية متفشية معتبرة إياها من أكثر أسباب الطلاق، إذ إن الشاب يستدين لإقامة عرسٍ فخم حسب إرادة عروسه، وبعد الزواج يغرق بالديون التي تسبب لهما الخلافات العائلية وتقوده للطلاق. 

هلال:

وتحدث في الختام الأستاذ نشأت هلال مفنِّداً بنود القانون ومتوقِّفاً عند التعديلات التي حصلت، وقال: ان التعديلات التي ادخلت على قانون الاحوال الشخصية للطائفة الدرزية ارتكزت الى اسباب موجبة لكل تعديل ولكن بقي الاطار الاساسي الجامع لهذه الاسباب هو الحفاظ على الاسرة وحماية القاصرين. وان بعض هذه التعديلات التي ادخلت على القانون تتعلق بالشكل وجاءت لتتماشى مع احكام قانون تنظيم شؤون طائفة الموحدين الدروز الذي صدر في العام 2006 حيث جرى تعديل اسم القانون الصادر بتاريخ 24 شباط 1948 (قانون الاحوال الشخصية للطائفة الدرزية) واستبدله بقانون الاحوال الشخصية لطائفة الموحدين الدروز.

وتطرق إلى جملة تعديلات في النص، ومنها:

منع تزوج الرجل بمرضعته او بأخت الرضاعة”.

تعيين مقدار المهر بعقد الزواج، واذا لم يعين مقداره في العقد يحكم القاضي بمهر المثل. وعند استحقاق المهر المعين بالعملة الورقية او ما تبقى منه، تقدر قيمة المستحق منه عند الاحتساب بعدد اونصات الذهب بتاريخ العقد وفقا لقيود مصرف لبنان، ويؤدي المستحق بالذهب عينا او ما يعادل قيمته بالعملة الورقية المتداولة الرائجة.

المصاغ من الذهب والجواهر الذي يقدمه الخاطب لخطيبته لكي يكتب في عقد الزواج كمهر معجل فيجب اعادته للخاطب. ويحق للقاضي ان يحكم بتعويض ويحدد مقداره على المسبب بفسخ الخطبة او الناكل  عنها تعسفا.

الحق للقاضي ان يحكم على الزوج او الزوجة المحكوم بجريمة الزنا بالتعويض عن العطل والضرر.

إمكانية تكليف القاضي لأخصائي اجتماعي او نفسي من ذوي الخبرة والكفاءة في الحالات التي تستدعي ذلك ليقوم مقام الحكمين.

وأوضح هلال إلى أن التعديل الأهم هو في رفع سن الحضانة، بحيث أصبح كالتالي:

تنتهي مدة حضانة الصبي عند اتمامه السنة الثانية عشر من العمر وتنتهي مدة حضانة الفتاة عند اتمامها السنة الرابعة عشر. وعلى الاب اخذ الولد اذا كان قادرا على تربية المحضون تربية صالحة والمحافظة عليه ورعايته بنفسه او بغيره.

كما أن حق الحضانة لا يسقط بالتنازل عنه، انما بالموانع الشرعية والقانونية ويعود عند زوالها. واذا كان القاصر عند احد الابوين لا يجوز له ان يمنع الاخر من مشاهدته، واذا لم يتفق الابوان على تحديد مواعيد المشاهدة ومكانها فللقاضي تحديد زمان ومكان المشاهدة مع مراعاته تدرج مدتها حسب الظروف بما يحقق مصلحة القاصر، على ان لا تقل عن مرة واحدة في الاسبوع. ولا يجوز مطلقا ان تكون المشاهدة في مراكز الشرطة ومخافر الدرك ولا في مكان لا تراعي فيه القيم الأخلاقية.

 وأشار إلى أن القانون يشترط في الحاضنة ان تكون بالغة عاقلة امينة صحيحة الجسم قادرة على تربية الولد تربية صالحة وصيانته، وان تقوم بحفظ صورة الاب واهله لدى المحضون وان تمكن الاب من القيام بموجبات ولايته والا تكون متزوجة بغير محرم للمحضون، ولا فرق في ذلك بين الام وغيرها من الحاضنات.

وختم هلال مشيراً إلى التعديل الحاصل في بند الميراث، بحيث أصبح كالتالي: في حال لم يكن للمتوفى اولاد ذكور بل اناث فتعتبر في هذه الحالة البنت الواحدة او اكثر عصبة بنفسها وتقطع الميراث وترث كامل تركة مورثها بعد ان يأخذ اصحاب الفروض فروضهم. واذا تعددن توزع الانصبة بينهن بالتساوي.

واختتمت الندوة بالردِّ على بعض الأسئلة والمداخلات وتوضيح بعض الملابسات حول القانون.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d bloggers like this: